11 مايو 2011

مصر على طريق التقدم -3- كيف تقدموا؟

(Civilization - By: Drea)



ربما يظن البعض أن ما وصلت إليه الدول المتقدمة من رقي حضاري هو نتاج تقدمها في مجالات التنمية و التطوير. الحقيقة أن العكس هو ما حدث؛ فالدول المتقدمة قبل أن تصبح متقدمة كانت تعيش حالة من التأخر الفكري و الاقتصادي، و من أجل أن تنهض و تطوِّر من نفسها، انتهجت هذه الدول نهجاً من شأنه أن يحقق لها ما تريد. فالمنهج يأتي أولاً، يأتي ليضع القواعد الراسخة التي ستقوم عليها الحضارة الحديثة. و بعد ذلك، يكون الناتج الحضاري مترتب على ما تم انتهاجه سابقـاً.


أشياء بسيطة جداً تمثل المنهج الذي قامت عليه الدول الحضارية. قصة كنت قد سمعتها عن عربي في أحد الدول الغربية، كان يقود سيارته في أحد الشوارع في وقت متأخر من الليل، استوقفه شخص على جانب الطريق يبدو عليه أن في أمسِّ الحاجة لمن ينقله، و بشهامة أوقف هذا العربي سيارته على جانب الطريق و سمح للشخص الغربي أن يركب معه. في الطريق الخالي تماماً من السيارات و المارة، في هذا الوقت المتأخر، سمح هذا الرجل العربي لنفسه أن يتخطى إشارة مرور حمراء، فالشوارع خالية تماماً، و لا يبدو أن هناك ضرراً، لكن الشخص الغربي كان قد تعوّد على أن هذه القواعد التي تربى عليها هي أساس قيام حضارته الغربية، و لذلك فقد أبلغ عن مخالفة الرجل الذي منحه هذه التوصيلة المجانية !

قصة أخرى في بلادنا العربية. قصة الحافلة التي تسير دوماً و هي ممتلئة عن آخرها بالركاب. قد يعتقد البعض أن هذا بسبب عدم توافر وسائل المواصلات، و أن هؤلاء مضطرون للركوب على هذه الهيئة. لكن، في موقف الحافلات، و هناك صف طويل من الحافلات، كل واحدة منها تنتظر التي أمامها لكي تستوفي عدد الركاب و تنطلق، أن تجد نفس الصورة، الحافلة الممتلئة عن آخرها، ركابها يقفون وسط الحافلة و على الأبواب، و هناك صف طويل من الحافلات الفارغة خلفهم، تصرف كهذا يدعو للتعجب، فلا يوجد عذر لهؤلاء مثل أنهم على عجلة من أمرهم، فانتظار انطلاق الحافلة لن يستغرق ساعات و إنما دقائق، و في الحقيقة أن أغلب الركاب ليسوا في طريقهم لشئ بالغ الأهمية بحيث تفرق دقائق التأخير، و من يحرص فعلاً على الوصول في موعده فعليه أن يأتي مبكراً قليلاً.

هذه الفروق البسيطة هي التي صنعت الفروق الكبيرة بين حضارة الغرب المتقدمة و واقع بلادنا المتأخر. كل شئ يبدأ من الفكر، من المبدأ، من القواعد. عدم الاهتمام بإشارة المرور، السير في الاتجاه المعاكس، إلقاء القمامة في الشارع، تخريب وسائل المواصلات العامة، التدخين في الأماكن العامة المغلقة، التأخير عن مواعيد العمل، و الخروج من العمل قبل المواعيد المحددة، عدم إعطاء العمل القدر المناسب من الاهتمام، عدم اتباع القواعد الصحية في أماكن تقديم الأطعمة. أشياء بسيطة جداً هي التي تصنع الحضارات.


الغرب لم يكن أبداً مدينة فاضلة، لم يكن أبداً مثالاً يُحتذى به في قيمه و أخلاقياته، فالغرب أكثر فساداً و انحلالاً من مجتمعاتنا. الغرب لديه سوء استخدام للسُلطة و قوانين متعسفة و ظلم و انحلال أخلاقي و فساد فكري و اختلال في الموازين، و لديه من العيوب ما لا يعلمها إلا الله. لكن، و في المقابل، لديه قوانين و قواعد يتبعها و يؤمن بأهميتها، لن أقول الجميع، و لكن الأغلبية. فيجب على كل شئ أن يسير في اتجاه التطور و التحضر، حركة منظمة متجانسة في اتجاه واحد، حركة تُحدِث تغييراً جذرياً، فالحركة العشوائية غير المتناسقة لن تنقلنا أبعد من موضع أقدامنا.




ليست هناك تعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك