19 مايو 2011

بين المادة والفراغ

(Druged - By: Almost1216)




لم تكن الأمور من قبل كما هي الآن. لا يمكن أن أصف التغيير الذي طرأ بأنه أفضل أو أسوأ، هو مختلف، بالتأكيد هناك اختلاف كبير بين السابق و الحالي، اختلاف يمكنكَ أن تدركه بمجرد أن تلقي نظرة على الوضع الراهن مع خلفية بسيطة للحال السابق. صدقني أنا لا أتعاطى حالياً أي نوع من المخدرات، و لا أعاني من أي نوع من الأمراض العقلية، على ما أعتقد !


في بداية هذا اليوم كان الصباح منعشاً بشكل بسيط، يشبه الصباحات التي تأتي على الأراضي المعشوشبة في أدغال أفريقيا، صباحات بسيطة، بلا أيِّ تعقيدات، الحياة البدائية من دون أي إضافات. هذا كان الصباح. في الظهيرة بدتْ الأمور ساكنة، ميتة بمعنى أدق، تشبه الهدوء الحذِر الذي يخيِّم على المكان في أفلام الغرب الأمريكي قبل البدأ في انطلاق الأعيرة النارية هنا و هناك، بشكل عشوائي. الظهيرة كانت هادئة جداً، في انتظار العشوائية المطلقة. غروب الشمس الحزين يُقبـِل في رداء أحمر كما العادة، يأتي غاضباً كما هو حال كل غروب حزين غاضب، ينفث سُحُباً دامية، من فم الشمس المجروح. غروب الليلة كان غريباً، و أعني بغريب أنه كان غريباً، فعلاً. لن أحكي عما حدث في هذا المساء. حسناً سأحكي، لكن انصت جيداً، فما سأقوله لن أكرره، و لن أتوقف وسط السرد، و لن أتحدث ببطء.


كنتُ نائماً في بداية ليلة بدتْ عادية، في بداية النوم. تمرُّ في عقلي بعض الصور العشوائية من اليوم السابق، أستحضرها قبل النوم كالمعتاد، حيث أقضي ساعة أو اثنتين في تفكير ممل و مرهق قبل أن أصِل إلى المرحلة التي يترك فيها العقل هذا العالم و ينتقل إلى عالم آخر، ربما عالم الأحلام، ربما إلى عالم آخر حقيقي أكثر، لا أعلم، فأنا لم أعد أثق في الآراء التي تنتشر هذه الأيام. كان هناك هذا الصوت المزعج، صوت بعيد جداً، و مزعج، يقترب، و يزداد اقترابه بمرور الوقت، صوت مزعج جداً لكنه لم يزعجني حقاً في بادئ الأمر حيث اعتدتُ على السكن في هذا المبنى المُطِل على ثلاثة طرق رئيسية لا تخلو من السيارات ليلاً أو نهاراً، و الضجيج هو الوضع الاعتيادي. الصوت كان يشبه احتكاك شيئين ببعض بقوة، صوت صرير قوي و غليظ و عميق و بعيد جداً، ربما سيارة تفقد التوازن على الطريق و يحاول سائقها استخدام المكابح ليوقف سيارته المجنونة، ربما هذا هو الصوت، لكن الصوت استمر لأكثر من ساعة، تزداد قوته ببطء شديد، ثم دوي شديد أعتقد أن كسر شيئاً فيّ، أو خلع شيئاً من داخلي، أعتقد أنني مِتُّ للحظات، فقدتُ السمع للحظات، تشوشتُ للحظات، لا أدري حقاً ما حدث لي للحظات، و لعلها لم تكن لحظات بل كانت دقائق طويلة جداً، لا أدري بشكل قاطع ما حدث بالضبط.
استيقظتُ على فراش أبيض، و أنا أكره الفـُرُش البيضاء، أشعر أنها تتحداني، لأنها طاهرة جداً نقية و مثالية، و أنا مليئ بالأوساخ و العيوب. الجدران بيضاء ! أي حلم غريب هذا ! أو أي فيلم خيال علمي أحمق هذا الذي أشاهده ! بالتأكيد لا نقفز لاستنتاج أن الأمور السيئة التي تحدث لنا هي واقع حقيقي، فالواقع السيئ سيئ جداً، لكن الأحلام و الأفلام يمكن الخروج منها بسهولة، لذلك نفترض أن الأمور السيئة التي تحدث لنا ما هي إلا كابوس و سنستيقظ منه، مهرب نلجأ إليه أحياناً، أو كثيراً. ياللحماقة !
هل ستشعر بارتياح أكثر إن أخبرتكَ أن ما أحكيه لكَ كان حلماً ! كابوساً مزعجاً و قد استيقظتُ منه ! أو هل سيبدو مقبولاً أكثر إن عرّفته لكَ على أنه فيلم أجنبي من الأفلام الحمقاء التي تبدو فيها الغرف بيضاء تماماً بلا أي مخرج ! صدقني أنا أعرف جيداً الفرق بين الأحلام المزعجة و الواقع المزعج. فلقد كنت أحلم في عمر سابق أن هناك وحشاً قبيحاً يطاردني، و أنني مقيد إلى ساريتين معدنيتين و أقدامي في الهواء، و الوحش سيبدأ في التهام أقدامي أولاً. و حلم آخر أسقط فيه من فوق بناية و لا يوجد أثر لنقطة الارتطام، السقوط إلى ما لا نهاية، و المعاناة إلى ما لا نهاية. الأحوال أفضل بالتأكيد عندما نستيقظ و نتأكد أن ما كان يحدث لنا هو كابوس مزعج آخر. الكوابيس تبدو قابلة للتصديق أيّاً كان محتواها، و أيّاً كان تسلسل الأحداث فيها. هناك أشياء نميل إلى أن نسميها (ليست واقعية) أو (غير معقولة) لأننا لا نقبل أن تحدث لنا في الحقيقة. هناك أشياء لا نقوى على مواجهتها و لذلك ندفن رأسنا في التراب و ندّعي أنها ليست موجودة أو أنها غير ممكنة.
هل تريد أن أكمل لك الحكاية ! حسناً. كان الفراش أبيض بشكل مزعج، و كذلك الجدران، و بخلاف الأفلام الأجنبية كان هناك باب لهذه الغرفة، باب يمكنكَ فتحه بسهولة. السؤال هو: هل خرجتُ ؟ أعتقد أن أغلب الناس سيغلبهم الفضول لرؤية ما الذي يوجد خارج هذا الباب، أغلب الناس ستغلبهم الرغبة في الهرب من هذه الغرفة الغريبة و الخروج من هذا الباب، أغلب الناس. في الحقيقة أنا لا أختلف عن أغلب الناس، فبمجرد أن رأيتُ الدم الذي يلطخ يديّ و لم أكن أنا مصدره، حيث لا جروح عندي، ذعرتُ، هربتُ، فتحتُ الباب و بدأتُ في الركض. إلى أين ؟ ليتني كنتُ أدري، فخارج هذا الباب لم يكن يوجد شئ، أي شئ على الإطلاق، لا شئ، لا شئ فعلاً. هل تذكر أنه قد قيل لنا أنه يوجد ما يُسمَّى (مادة) وأنه في حالة عدم وجود المادة يوجد (فراغ)؟ لم يخبرونا ما الذي يوجد عندما لا توجد مادة ولا يوجد فراغ!


ربما تتساءل عن الدم الذي كان على يديّ، وتريد أن تعرف ما كان مصدره. حسناً. أنت محق. أنا تحت تأثير المخدرات




ليست هناك تعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك