24 مايو 2011

أنا ورقة

(Certificate - By: vonholdt)




لتتخيل أنك رئيس شركة كبيرة متخصصة في البرمجيات، جاءك رجل يدّعي أنه عبقري في ما يتعلق بمجال عملك، و أنه قادر على عمل الكثير و تحقيق أرباح كبيرة لك، لكنه لا يحمل أي شهادات علمية تؤكد كفاءته أو خبرته، و ربما حتى لا يملك شهادات تفيد بأنه يستطيع القراءة و الكتابة. ماذا ستفعل ؟


بالنسبة لكثيرين، الأوراق هي الأساس، فهي إثبات وجودنا، فوجودنا يكون بوجود ما يثبت وجودنا من الأوراق، و كذلك مهارتنا و كفاءتنا تكون معترف بها عن طريق أوراق تفيد بأننا نملك هذه الخبرة أو تلك المهارة، الأوراق هي التي تقول، و الأوراق لا تكذب. خطأ، الأوراق تكذب، الأوراق شكليات مكتبية، الأوراق أحياناً تكون مجرد حفرة في الطريق. الإثبات الحقيقي هو الواقع و التجربة. إذا كنت رئيس شركة كبيرة متخصصة في البرمجيات، و جاءك رجل يدّعي أنه عبقري في ما يتعلق بمجال عملك، و أنه قادر على عمل الكثير و تحقيق أرباح كبيرة لك، لكنه لا يحمل أي شهادات علمية تؤكد كفاءته أو خبرته، لا يجب عليك أن تضيّع الفرصة لعدم توافر الأوراق المناسبة، اختبره، و إذا كان يستطيع فعلاً فسُحقـاً للأوراق !


الإبداع لا يمكن أبداً قياسه، لا يمكن تحديد قيمته، يمكن وضع وحدات قياس افتراضية و تقييمات مبدئية. يمكنك أن ترى بنفسك أن العديد من حملة الشهادات المختلفة لا يفقهون شيئاً فيما درسوه و ما تبرهن عليه الشهادات، و هناك العديد من ذوي المستويات المتواضعة يملكون ما يفيد أنهم قادرون على أشياء هم أبعد ما يكون عن المقدرة على فعلها. في الحقيقة، من بين كل الحاصلين على أوراق تثبت قدراتهم، هناك القليل من يتمتع فعلاً بقدرات على مستوى ما تقوله الأوراق، قليلون هم من يملكون الإبداع الكافي لتخطي تقييم الأوراق، و الإبداع ضروري في كل شئ، حتى أبسط الأعمال، ففعل شئ بطريقة أبسط، بجهد أقل، بسرعة أكبر، مع الحفاظ على نفس مستوى جودة العمل، إنه عين الإبداع، و لذلك يمكن للجميع أن يكونوا مبدعين، و لذلك فإن الأوراق تظلم كثيراً، حين تقول أن فلان يقدر و فلان لا يقدر.


نسمع عن خريجي هارفارد و كامبريدج و أكسفورد، المنتمين لأعرق جامعات العالم، هذه الجامعات تحرص على أن يكون خريجها الحاصل على شهادتها يتمتع بقدرات توافق ما تقوله الأوراق، لكن هذا لا يمنع أن يكون هناك من هم على نفس المستوى من أي مكان في العالم، من خريجي أي جامعة. ربما تحرص الجامعات الكبيرة على أن تكون نظم التقييم لديها دقيقة عادلة منطقية و موضوعية، تقيّم فعلاً القدرات التي يحتاج الخريج أن يكون متمتعاً بها ليحصل على شهادته العلمية. هذه النظم الدقيقة العادلة المنطقية و الموضوعية غير متوفرة في بلادنا، و إن توفرت يتم تخريبها بسبب عدم فهم كيفية عملها، نتيجة الاستيراد الساذج للأفكار و الأساليب من دون فهم جدواها و كيفية تطبيقها كما أراد من ابتكروها.


هناك دوماً مجال للإبداع أيّاً كان العمل، و هناك مساحة للإجادة و التميز حتى في أكثر الأعمال بساطة. و لذلك، في العالم الحر الذي يعتمد على الفرص و الإبداع، إذا كنت تستطيع أن تفعل شيئاً فافعل، لا يهم من تكون، لا يهم وجود أوراق تثبت قدرتك، أنت الإثبات الوحيد المطلوب. إذا كنت تستطيع أن تقوم بشئ بشكل أفضل فافعل، و هناك دوماً الحافز و المقابل. هناك دوماً من يهتم بمن يحاول أن يفعل شيئاً يبدو أنه قد يكون مفيداً، و من يهتم بالإبداع و التفكير غير التقليدي. و على الرغم من أن الدافع وراء البحث عن الجديد و تصيّد الفرص و رعاية الإبداع هو السعي الحثيث خلف المال، إلا أنه لا بأس من ذلك، فالكل مستفيد.


الأوراق سلاح ذو حدين، ففي حين أنها إثبات قوي و حجة لصاحبها و اعتراف بمقدرته، فهي يمكن أن تكون عائقاً أمام الإبداع، يمكن أن تكون حبلاً في يد الكسالى مربوط في أعناق المبدعين. الأوراق مهمة لأنها اعتراف مقبول من جهات مقبولة بأن شخصاً ما يتمتع بقدرات معينة أو يمتلك قدراً معيناً من المعلومات و المهارات، و هي وسيلة سهلة للتقييم و التصنيف، و ضرورية في كثير من الأحيان، فلا يمكن مثلاً قبول طبيب للعمل في مستشفى و هو لا يملك الأوراق التي تفيد بأنه تخرج من مدرسة طب معترف بها. الأوراق أيضاً قد تمنع الاستفادة من خبرات ليست مسجلة على الورق، و تحرم من قدرات ليست قابلة للقياس و التقييم. الأوراق يمكن غشها، و يمكن كذلك أن تضيع، فما فائدة طبيب يحمل شهادة تفيد بأنه طبيب معترف به في نفس الوقت الذي لا يعرف فيه أي شئ عن الطب، و ما فائدة ورقة غير موجودة في حين أن صاحبها طبيب عبقري لا يوجد له مثيل.


يجب أن تكون لدينا عقلية متفتحة، تقبل بالورق و لا تتعصب له، تبحث عن الإثبات المكتوب و لا تغفل الإثبات الحقيقي الموجود، ترعى الفرص و المهارات و العقول المبدعة و تحذر من الأوراق عديمة القيمة.


أنا ورقة !
أنا لستُ كذلك.



ليست هناك تعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك