18 نوفمبر 2011

عن صديقٍ قديم

(Friends - By: Zihnisinir)



كنّا أطفالاً، ربما في الصف الثالث أو الرابع الابتدائي، في حصة الخط، حين طلبتْ (الأبلة رجاء) من الجميع أن يُخرجوا كراسات الخط من الحقائب وتوعّدتْ من أهمل إحضارها بالعقاب. كنتُ أنا و(عبد الرحمن) رفقاء نفس (التختة)، أصدقاء منذ الصف الأول الابتدائي وزملاء دراسة حتى آخر سنوات المرحلة الإعدادية. في هذه الحصة كنتُ قد نسيتُ كراسة الخط على غير عادتي، وفي هذا التوقيت الحرِج الذي يخشى كل طفل أن ينزل به العقاب من أستاذ معرفته بالتعليم تقتصر على الإرهاب وفرض السيطرة، في هذه اللحظة التي من الصعب أن تُمحى من الذاكرة حتى وإن كانت ذاكرة طفل سرعان ما ينتقل من فكرة إلى أخرى، استقبل عبد الرحمن العقاب بدلاً منّي بعد أن زعم أنه هو من نسي كراسته. بالنسبة لي -في هذه السن- كان هذا من أكثر المواقف بطوليةً، هو بمقاييس عالم الكبار بمثابة أن يقف شخص في مواجهة لص مسلّح ليوفر لكَ الحماية. أصبحتُ مديناً لعبد الرحمن منذ هذا اليوم بشئ ما لا أعرف له تعريفاً ولا وصفاً، لكن يبقى عبد الرحمن رغم تباعد المرات القليلة التي التقينا فيها بعد أن أصبحنا كباراً يبقى من أقرب وأقدم الأصدقاء الذين حظيتُ بهم.

منذ عامين تقريباً و دون أدنى توقُّع وبعد فترة طويلة مرّتْ على آخر لقاء وجدتُ عبد الرحمن يدقُّ باب بيتي ليدعوني لحفل زفافه، وهي لمحة عظيمة من شخص اعتدت منه أن يملك أطيب الخصال. حضرتُ حفل زفافه وسعدتُ كثيراً برؤيته فرِحاً مسروراً.

منذ شهر تقريباً وقع حادث سير أصيب على أثره عدة أشخاص وتُوفّي آخرون وتمَّ نقل المصابين إلى نفس المستشفى التي أعمل بها لكن في يوم إجازة لي فلم أشهد وصول مصابي الحادث. أشيع بعد ذلك أن عبد الرحمن قد يكون أحد المصابين لكني لم أتيقّن من ذلك وحاولتُ الوصول إليه والاستعلام من بعض الأصدقاء، ووصلتْ الحقيقة المؤلمة أن عبد الرحمن كان قد تُوفّي في هذا الحادث. ترك عبد الرحمن خلفه أمّاً يعلم الله بمَ تشعر وزوجة لم يمضِ على زواجه بها أكثر من عامين وطفلة ربما أكملتْ فقط عامها الأول.

سنوات طويلة عاينت فيها الموت لم يكن يرهبني منظر الدماء ولا الموتى، فحياتي بين المرضى والمصابين والميتين، والأطباء يتأقلمون مع مرور الوقت على العمل في هذا الجو الذي يعبق برائحة الدم والموت. لكن بعد موت عبد الرحمن تغيرت الأمور وأصبح كل مصاب يذكرني بأن عبد الرحمن ربما كان مستلقٍ ها هنا في نفس السرير وربما نزف في هذه البقعة وربما كان جرحه مثل هذا الجرح ولعله تألم مثل هذا الألم. هذه المسافة التي يكتسبها الطبيب لتفصله عن المريض والتي تحمي الطبيب من أن يتأثر جداً فيختل قراره العقلي ويسيطر عليه الشعور، هذه المسافة التي تمنع صور الجرحى والميتين من أن تتسلل إلى الأحلام، هذه المسافة تقلّصتْ جداً بعد موت عبد الرحمن ولا أدري كم يلزمني من الوقت لأستعيد تلك المسافة المناسبة.

صديقي القديم، لازلتُ أشعر أنني مدينٌ لكَ بشئٍ لستُ أعرف ما هو.


هناك 6 تعليقات:

norahaty يقول...

كثيراً ما أُذكر نفسى حينما
أقرأ خبر حادثة وأقرأ عدد
الضحايا والمصابين اقول لنفسى
كم طفل فقد اباهـ وكم أم ثكلت
وكم زوجة ترملت!كان الله بعونهم
جميعاً ولكنها الحياة لابد
من أن نحيا فيها بحلوها
ومرهــا.تحياتى
لتدوينتك
فقد ذكرتنى
بكثير ممن نفقدهم
ونفتقدهم فى زحام الحياة

WINNER يقول...


norahaty:

شرفتي المدونة بالزيارة و التعليق. و أشكرك على المشاركة.


أميرة يقول...

لكي ننجح في أية وظيفة ينبغي علينا أن نحيط أنفسنا بجدار عازل يفصلنا عن أدق تفاصيل مهنتنا تلك ، فإذا كنت طبيبا فلتعزل نفسك عن مرضاك لدرجة تصل لقليلٍ من التبلد ، وإذا كنت مدرسًا لا يهمك كثيرا أن تفكر في أن أولادك ربما يعانون نفس ويلات التدريس من شخص مثلك .. فقط إذا حافظت على ذلك الجدار تكن محترف !

وكذلك الموت ، نسمع عمن فُقد وقُتل كل يوم بالأخبار ولا نحرك ساكنا فقط لإننا بعيدون ، وكأن هذا الموت لا يصيب إلا الغرباء .. حتى تأتي لحظة الإستفاقة الإجبارية الصادمة ...

سلِمت يداك :)

WINNER يقول...



أميرة:

فعلاً الموت بيكون بعيد جداً و كأنه مش لينا. مابنتأكدش انه لينا لحد مانلاقيه عندنا.

شرفتي يافندم.


P A S H A يقول...

نصوصك بديعة بجد
:)

WINNER يقول...



P A S H A:

أشكرك.



سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك