20 نوفمبر 2011

عن الحياة الوردية

(Orchid - By: Tim)




كانت تتحدث عن الحياة الوردية، وكيف أن الأمور ستتحوّل للأحسن، وأنا يتقدم بي السن، والشعر الأبيض بدأ يغزوني كما يغزو النمل الأبيض بيتاً خشبياً، أو بدأ يتطفل عليّ كما تتطفل الديدان على جسد ميت.
لم أكن أفهم سبب ابتسامتها، أحياناً كنتُ أعتقدها بسمة سخرية، سخرية من الأحوال، من الأقدار، لا أدري، وأحياناً كنتُ أحسبها بسمة إشفاق من شخص يحاول أن يواري الحقيقة المروِّعة خلف ابتسامة مصطنعة. لمَ لا تخبرني الحقيقة وتناقش معي سوء الأوضاع! لمَ ليست موضوعية ومنطقية في أحاديثها! لمَ تتحدث دوماً عن شروق الشمس الرائع الذي اعتادت متابعته، والليالي الصيفية الصافية التي كانت تتمكن فيها من رؤية ملايين النجوم! إنه حتى ليس من المنطقي رؤية ملايين النجوم في ليلة واحدة في منظر واحد! لمَ تحاول أن تكون لطيفة وكأنها تعامل طفلاً صغيراً تخشى عليه من الحقيقة الجارحة!

لم أمكث في المشفى أكثر من ثلاثة أشهر، ولم أتلقَّ غير دورة واحدة من العلاج، فقد بدا البدأ في دورة أخرى مضيعة للوقت، الوقت الذي لا أملك منه الكثير.
كانت تظهر يومياً عند باب الغرفة بابتسامتها المعتادة، يبدو على وجهها الإرهاق، وأحياناً كانت تبدو وكأنها انتهت لتوّها من بكاء طويل، وحين أسألها عن حالها تخبرني أنها بخير وأن الأمور جيدة، أتسخر منّي!
تحدثني دوماً عن يومها في العمل في المدرسة الصغيرة في وسط البلدة، وعن الأطفال – أطفالنا – ومشاغبتهما المستمرة، وتطلب أحياناً أن تحضرهما لزيارتي، وكان ردّي دوماً بالرفض. كيف يمكن أن تكون بخير! ما بين العمل والعناية بالأطفال وشئون المنزل والزيارة اليومية للمشفى والدخل الذي تقلّص بعد اضطراري لترك العمل والاعتماد على دخلها الذي لا يكفي لإعالة أسرة ناهيك عن دفع مصاريف الإقامة بهذا المشفى الراقي ومصاريف العلاج الباهظ.
لم أمكث في المشفى أكثر من ثلاثة أشهر وبعدها قررتُ الخروج. يمكن أن يستفيدوا بالمال الذي يستنزفه المشفى، يمكنهم أن يحظوا بحياة أفضل، يمكنها التوقف عن قبول المال من والدها في الخفاء، يمكنها توفير عناء زيارتي يومياً في المشفى دون رؤية أي تحسن، يمكنها التوقف عن القلق والبكاء.

لقد عشتُ حياة طويلة مليئة بالأوقات الوردية، وشهدتُ العديد من مناظر شروق الشمس، واستمتعتُ ليالٍ عديدة برؤية نجوم سماء الصيف. أسعدني الحظ بالحصول على زوجة لم أكن حتى لأحلم بالحصول على امرأة مثلها، وبالحصول على طفلين رائعين، ونعمتُ ببيت دافئ به من المرح والمحبة والسعادة ما يتمناه أي شخص. أعتقد أنني عشتُ كفاية، على الرغم من أنه لا يمكن الاكتفاء من أشياء، ولا يمكن الانتهاء من أشياء، ولا يزال هناك العديد من الأمور التي وددتُ فعلها، لكن لا بأس إن انتهى الأمر الآن، فلقد حظيتُ بوقت جيد.


ملحوظة أخيرة للأطفال: لا تضيّعوا وقتكم في عمل أشياء غير مهمة. استغلوا وقتكم الحالي في فعل كل الأشياء التي تحبونها، والأشياء التي تحلمون بها، والأشياء التي قد تندمون يوماً إن أنتم رحلتم دون أن تتمكنوا من القيام بها. احصلوا على كل السعادة، تمتعوا بكل المحبة، حققوا كل الأحلام، نفذوا كل الخطط، افعلوا ذلك الآن وليس غداً. لا تدعوا خلفكم أشياء معلّقة، أشياء قد تنظرون إلى الخلف وتقولون ياليت كان هناك مزيد من الوقت لفعل كذا وكذا.




هناك تعليقان (2):

P A S H A يقول...

نص يفيض بالمشاعر ترك لدي أثراً من الصعب أن يمحى :)
أهنئك على لغتك القصصية الراقية والفريدة ، أسعد حقاً وأتشرف بمتابعتك

دمت مبدعاً
خالص تحياتي وعميق احترامي وتقديري
:)

WINNER يقول...



P A S H A:

أشكرك على تعليقك اللطيف و مرورك الكريم. و الشرف لنا.



سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك