24 ديسمبر 2011

بالأمسِ حلمتُ بكِ

(Santa Maria Del Mar - By: MªCarmen)





غريبةٌ هي الأحلام، تبحث في صناديق الماضي، و في صناديق اللاوعي، و تُخرج لنا أشياءً نظن أنها لم تكن، و نعجب أننا لازلنا نحتفظ بها في خبايا العقل. منذ تسعة أعوام، و في البلدة القديمة المطلة على شاطئ سانتا ماريا، قادس، إسبانيا، كانت هذه الفتاة الخمرية سوداء الشعر و العينين أقرب ما يكون لفتاة من بلدتي التي نشأتُ بها، و كأنني لم أسافر و لم أقطع المسافات. كانت تسكن في نفس الشارع الذي نزلتُ ضيفاً على أحد بيوته. كان والدها يملك مكتبة لبيع الكتب عند أول الشارع، و والدتها تبيع الورد بأحد المحال الصغيرة. و كانت هذه الفتاة التي تبلغ من العمر خمسة أو ستة عشر عاماً تقضي معظم يومها في فترة الإجازات تتسكّع عند الشاطئ الهادئ لهذه البلدة الهادئة.

لم أكن أعرف من الإسبانية سوى بعض الكلمات مثل (أولا)، (جراسياس)، (سنيور/سنيورا) (بور فابور)، و التي ما كانت تنفع إلا على نطاق ضيق لإلقاء تحية أو الشكر، و إنما حين يبدأ أحد في مخاطبتي أبتسم و أقول في هدوء (نو سبانيول)! و كلما أتذكّر هذه الجملة؛ نو سبانيول، أجدني أضحك متذكِّراً ضحكتها الخفيفة حين سمعتْها منّي أول مرة أقولها لبائع الخبز الذي أراد أن يحاورني معتقداً أنني أجيد الإسبانية، و كل ما أردته منه هو بعض الخبز الذي أشرتُ إليه و دفعتُ ثمنه مردداً على الترتيب (أولا – بان – بور فابور - جراسياس)، و هي تعني (مرحباً – خبز – من فضلك – شكراً) كما علّمني إياها ابن خالي المولود و المقيم في هذه البلدة و الذي يتحدث الإسبانية مثل أي واحد من أهلها. هي من المرات القلائل التي ألتفتُ فيها إلى هذا الجنس العجيب الغريب الذي يُدعى المرأة، و أتأمّل هذا الشعور الذي يخلّفه هذا الالتفات، لدرجة أن يُخزَّن في العقل في العمق ليطفو في حلم. كانت تقول أحياناً – و الترجمة لابن الخال – كيف تكون في قادس و لا تزور معالمها؟ و تعرض عليّ نزهة أستكشف فيها المدينة، و ابن الخال يشجعّني على ذلك، لكنني اكتفيتُ بالشاطئ الهادئ بعيداً عن الزحام و السائحين، الشاطئ الذي اعتادت أن تتسكّع عنده.
كانت تدرس الإنجليزية، و إنجليزيتها مثل انجليزيتي (مكسّرة) فكنا نلتقي على أرض محايدة بعيداً عن العربية التي لا تفهمها و الإسبانية التي لا أفهمها و نتحدث الإنجليزية التي نفهمها قليلاً أنا و هي. قررتُ أن أتعلّم الإسبانية. و كنتُ أضحك من نفسي حين أجد الحماسة لتعلّم لغة جديدة لكي أتحدث بها مع هذه الفتاة - و ليكن اسمها على سبيل المثال حفاظاً على شخصيتها الحقيقة (إيسابيل) – التي لم ألتقِها إلا منذ أيام قليلة. بالطبع لم أتعلّم الإسبانية، و لازالت معرفتي بها تقتصر على الكلمات القليلة التي أعرفها!
معرفتي بـ(إيسابيل) لم تكن قوية، و لم نكن صديقين، و لم نقضِ الوقت الطويل معاً نتسكّع عند شاطئنا المفضّل كما يحدث في الأفلام الرومانسية، و لم نتبادل الخطابات أو القبلات أو أي شئ، فكل هذا محض خيال، و حتى الخيال يأبى أن يحتويه. و لذلك فإنه من الغريب أن تزورني في حلم بعد تسعة أعوام منذ آخر مرة رأيتُها، و الأغرب أن تحمل في يدها خاتماً ذهبياً و تجلس إلى جواري عند نافورة أثرية في ميدان واسع يخلو من المارة، و لا أدري ماذا يريد هذا الحلم أن يخبرني، و إذا ما كان كغيره من الأحلام التي تزور النائم بلا معنى.

و لازلتُ أضحك كلما تذكّرتُ ضحكتها و هي تراقبني أشتري الخبز و أخبر البائع الذي يرغب في حديثٍ أطوَل (نو سبانيول)!




2 التعليقات:


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك