18 يناير 2012

أن تكون حُرّاً





أنا حر. بالتأكيد حر. بخلاف مواعيد العمل الصارمة، البحث الدائم عن مكان في الحياة، الركض خلف لقمة العيش، بخلاف ذلك أنا حر!

لديَّ زوج من الأجنحة، معلَّق في خزانة ملابسي، بين القمصان و السراويل و المعاطف، يحتاج لبعض التنظيف و نفض الغبار، ربما آخذه قريباً للـ(دراي كلين)! لم أرتدِه منذ أن كنتُ طفلاً صغيراً يصنع الطائرات الورقية و سنانير الصيد و يرسم لوحات غريبة بألوان الماء. لم تسمح الظروف بارتدائه منذ ذلك الوقت. أنا بالتأكيد حر في استخدامه وقتما أشاء، لكن الظروف لم تسمح، و الوقت لم يسمح. أنا بالتأكيد حر كما ترى، و لكن حريتي معلَّقة في خزانة مغلقة بين القمصان و السراويل و المعاطف!

أنا حر. بالتأكيد حر. بخلاف القضبان المعدنية على النوافذ، و القيود المعدنية على الرسغ، و القناع المعدني على الوجه، بخلاف ذلك أنا تماماً حر!




15 يناير 2012

عن الأحلام التي لم تأتي

(Why are dreams always... - By: Weichuan Liu)




أحلامُنا المؤجَّلةُ تفقدُ بالتدريجِ جزءاً من فرحةِ تحقيقِها كلَّما طالَ عليها الأمد. الحلمُ الذي يراودُنا الآنَ، الذي نشتاقُ إليهِ، الذي نراهُ هناكَ في ساحةِ الخيالِ، يموتُ من متعةِ معايشتِهِ جزءٌ كلَّما طالَ طريقُنا إليه. لماذا لا تتحقَّقُ أحلامُنا الآن؟ لماذا لا تتأخرُ شيئاً يسيراً ثم تَصِلُ إلينا أو نَصِلُ إليها من دونِ سفرٍ طويلٍ مرهِقٍ يجعلُ النفسَ تنسى كم كانت تهفو إليها؟ فأحياناً تفقدُ الأحلامُ قيمتَها بجوارِ المشقَّةِ التي نلاقيها للوصولِ إليها.
و تقبعُ الأحلامُ مخفيةً هناكَ في جزءٍ من المستقبلِ المجهولِ في نقطةٍ ما على خطِّ الزمنِ الذي يتوارى كجسرٍ بينَ الضباب.



10 يناير 2012

المجنيُّ عليهِ يتلقّى العقوبة

(Believe the Victim Save a Life - By: Kayla Danielle)





المجنيُّ عليهِ يتلقّى العقوبة


عادت من المدرسةْ
طفلةٌ في دراستِها في سنَتِها الخامسةْ
تقولُ أنّ الاستاذَ قد هتكَ عرضَها
و رفعتْ ثوبَها
تكشفُ خيوطَ الدمِّ السائلةْ
و بُقَعاً إلى الأزرقِ مائلةْ
نهروها
و طالبوها أنْ تحتشمْ
فقالت أنّ جِرَاحَ الجسدِ يأتي اليومُ
الذي فيه يروحُ الألمْ
و لكنَّ جُرْحَ النفسِ لا يلتئمْ
فقالوا أنّ الأستاذَ لا يفعلُ شيئاً مماثلاً
و قد أقسمَ على براءتِهِ بالشرفْ !
فقالت أنّ الدمَّ سيشهدُ
أنّ طبيبَ النساءِ بعدَ الفحصِ سيشهدُ
و كذلكَ الثلاثونَ طالباً في الفصلِ
الذين كانوا حضوراً
و مرورُ الشارعِ الذين سمعوا الصراخَ
ثم وقفوا شهودَ عيانٍ
و عُمّالُ النظافةِ في الطُرْقةِ المجاورةِ
و ناظرُ المدرسةِ
و بقعةُ الدمِّ التي خلّفتْها هناكَ في مكانِ الواقعةِ
أيضاً ستشهدُ
فقالوا يالها من ساقطةْ !
و قاموا كمَن قامَ توّاً من فراشِ ابنتِهِ
بعدَ المعاشرةْ
يدخّنونَ سجائرَهم بنَهَمْ
و يرشفونَ سائلاً في كأسٍ كريستاليةٍ
يبدو أنهُ – و العلمُ عندَ اللهِ – خمرٌ
يهرشونَ رؤوسَهم و كأنّهم ينفضونَ عنها ما قد سبقْ
يرجرجونَ أمامَهم بطونَهم كالمرأةِ الحُبلى
و قد بقى على الولادةِ أياماً قلائلْ
و ليتهم عندَ الولادةِ سيُنجِبونَ مخلوقاً جميلاً
و إنّما بطونُهم كاذبةْ !
..
كيفَ يصبحُ المجنيُّ عليهِ جانٍ !
هذا الحُكْمُ صدَرَ عن أيِّ محكمةْ !
و كيفَ يضربُ الجنديُّ بحذائهِ فتاةً
فيعطونهُ نيشانَ الشرفْ
و وسامَ التفوُّقِ و الشجاعةْ !
ياللقرفْ !
..
كيفَ وصلتم لهذا العمى !
بحيثُ ترونَ القذارةَ
و تشمُّونَ منها ريحَها النتِنْ
ثم تغترفونَ منها الغَرفةَ خلفَ الغَرفةَ
تلوكونَها بشهيّةٍ
و تستمتعونَ بهذا العفنْ !
..
كيفَ تقولُ فتاةٌ أنّ الأستاذَ
أنّ الجنديَّ
أنّ أيَّ شخصٍ كانَ هو
قد هتكَ عرضَها
ثم تطالبونَها جميعاً بتقديمِ الأدلّةْ
و تنعقدُ المحكمةْ
و تواصلونَ البحثَ في الأمرِ
و التشاورَ لمائةِ عامٍ
ثم تُصدِرونَ الحكم بأنّها هي المذنبة !
لأنّها وُلِدتْ فتاةً
و لأنّها وقفتْ عَرَضاً في طريقِ الذئبِ الوديعِ !
و لأنّها ضعيفةٌ
و لأنّها لا تملكُ حذاءً ثقيلاً
و لأنّها لا تحملُ في حقيبةِ يدِها بندقيةً آليةً
و لأنّها ..
و لأنّها ..
و بُناءً على كلِّ ما قد سبقَ
فقد حكمتْ محكمةُ الأوغادِ بأنّها هي المخطئةْ !
على الرغم من أنّها استشهدتْ بخيوطِ الدمِّ على ساقيها
و البُقَعِ الزُرقِ
و الطبيبِ الذي فحصَها
و الثلاثينَ طالباً الذين حضروا الجريمةَ
و مرورِ الشارعِ الذين كانوا شهودَ عيانٍ
و عُمّالِ النظافةِ
و ناظرِ المدرسةِ
و بقعةِ الدمِّ في مكانِ الواقعةِ
و مقاطعِ الفيديو التي صوَّرتْها كاميراتُ المراقبةِ
و الصورِ التي التقطَها المصوِّرونَ الذي شهدوا الحدثَ
و لكنْ شهاداتِ كلِّ هؤلاءِ كانتْ ضدَّ شهادةِ الجاني
ذي الحذاءِ الثقيلِ
و العصا الغليظةِ
و الكفِّ العريضِ
الذي أقسمَ - بشرفِهِ - أنّهُ برئٌ
براءةَ الكلبِ من دمِ الدجاجةِ
التي لاتزالُ بقاياها بينَ أنيابِهِ البارزةْ !
..
يالكم من قضاةٍ قذرينَ
يالكَ من جانٍ قذرٍ
و يالها من سُخريةٍ محزِنةْ
..

أحمد فايز


07 يناير 2012

عن الطب والدوا



عن الطب والدوا


للبعض يبدأ المشوار منذ اليوم الأول بالعمل كطبيب، وللبعض يبدأ بأول يوم كطالب بإحدى مدارس الطب، وللبعض الآخر يبدأ الأمر قبل ذلك بكثير؛ منذ أول مرة يرى الشخص فيها نفسه مسئولاً عن حيوات الآخرين، عن آلامهم، وعن معاناتهم وفرحتهم. وبغضِّ النظر عن البدايات فإن الدخول من هذا الباب إلى أرض الطب يعني الدخول إلى حياة جديدة تماماً تختلف تمام الاختلاف عن أية حياة أخرى، حياة تختلط فيها بحيوات أخرى منقوعة في العجز والألم، معجونة بالمرض، ومشبّعة بالعناء والضغط والتوتر والحزن وتوليفة كبيرة من الأشياء يصعب حصرها. إنها حياة الطبيب التي لا يعرفها أحد غير الطبيب، ولا يتمكن من الكلام عنها أحد ولا حتى الطبيب نفسه، ولا ينبِّه أحد الطبيب إليها حتى يصبح طبيباً ويكتشف بنفسه!
بعض الأوقات أفكر أنه لو كان أحد أخبرني قبل أن أصبح طبيباً أن الأمور ستكون بهذه الصعوبة وأن الزيَّ بهذا الثمن لربما فكرتُ كثيراً قبل أن أتّخِذ هكذا خطوة، ولربما راجعتُ نفسي وتراجعتُ عن خوض هذه التجربة. لكنهم لا يخبرونكَ بذلك، فقط ترى الزيَّ الأبيض، والدور العظيم الذي يلعبه الطبيب كبطل يومي، والثراء الذي يتمرّغ فيه أصحاب المهنة العظيمة، وكأنك تشاهد عرضاً تليفزيونياً من عالم آخر. لا يخبرك أحد عن الساعات الطويلة التي ستقضيها مستيقظاً لمذاكرة لا تنتهي أبداً، ولا بالساعات الطويلة التي ستقضيها بعمل لا يكتفي منك بجهدك العضلي، وإنما يطلب المزيد؛ جهدك العقلي والنفسي، ويتفشّى في حياتك مطالباً بكل شئ لديك؛ بوقتك، بعلاقاتك، بفكرك، بشعورك، براحتك، بنومك، بأحلامك، بمستقبلك، وبأي شئ كنتَ تعتقد أنه لكَ وحدكَ حقاً خالصاً. لايخبرونكَ أنك ستشهد موكب الموت بشكل شبه يومي، وأنك ستضطر أن تخبر ابناً أن أبيه قد رحل، وتخبر زوجاً أن زوجته قد توفيت، وتخبر  صديقاً أن صديقه لم يتمكن من البقاء على قيد الحياة. لا يخبرونكَ أنك ستُلام على مرض لم تكن المتسبب فيه، وعلى موت لم يكن لك دخل به، وعن مشكلات لم تشهدها ولا علاقة لك بها، فقط لأنه تصادف وجودك في طريق شقَّه الألم في قلوب لم تسلم من زيارات المرض والموت، فقط لأنك هناك في هذا الزمان وهذا المكان، وليس لأنك مسئول عن أيِّ من هذا.
عندما يرونكَ بزيِّكَ المميز سيعتقدون أنكَ تنعم بحياة رغدة مليئة بالنجاح والنشاط والراحة والرضا والاستقرار والهدوء. سيعتقدون أنكَ قد حققتَ كل شئ، وأنكَ وصلتَ إلى النهاية التي يحلم أيُّ شخصٍ بها. سيعتقدون أنكَ بالتأكيد سعيد بما أنتَ فيه و بما وصلتَ إليه. سيعتقدون أنكَ إلـهٌ بمشيئتكَ الحياة والموت، وبطرف إصبعكَ يُقدَّر الفرح والحزن، وملك يمينكَ أن تقول للشئ كن فيكون! ولذلك تُلام على كل مشكلة ومعضلة وكأنكَ تملك كل الحلول، وكأنكَ تمنع عنهم الحلول، وكأنك تقسّم الحلول وفق هواكَ. سيعتقدون الكثير من الأشياء، وكثيرٌ منها خطأ، وكثيرٌ منها مغلوط، وكثيرٌ منها لا يمتُّ للواقع بصِلة.
لماذا يجعلون الأمور أصعب مما هي عليه؟! يعتقدون أنكَ حين تواصل وخذ المريض بإبركَ فأنتَ بذلك تعذّبه، ولا يفكرون أنكَ تنقذ حياته أو تساعده ليبرأ من مرضه. ويعتقدون أنكَ حين تؤخِّر دواءكَ عنه فأنتَ بذلك تقتله، ولا يعرفون أن لكل شئ أصولاً وقواعد، وأنكَ لا تعمل بمفردكَ وفق هواكَ، وأنكَ تعمل في منظومة كبيرة ما أنتَ إلا ترس صغير في ماكينتها العملاقة، وأن الأمور ليست خاضعة لحكم القلب والشعور، وإنما للعقل والعلم. يعتقدون أن المريض إن مات فهذا لتقصير أو إهمال أو حتى عن عمد، ولا يفكرون أن الناس يموتون على كل حال، وأنه تتعدد الأسباب للموت، وأنك لستَ ربَّاً لتُحيي بمشيئتكَ من تريد وتقتل من ترغب، وأنكَ تُبرئ المرضى بإذن الله لا بإذنكَ. وعلى الرغم من التُهم والشكوك والظنون السيئة يطالبونكَ أن تتحلى بالصبر وأن تتفهّم الوضع وأن تُبقي نفسكَ حكيماً يُقدِّر الظروف ويغفر الأخطاء والزلات. فيالها من مهنةٍ قاسية لا تكافئ أصحابها إلا بمزيد من المعاناة!


أحمد فايز




05 يناير 2012

عن الصفحات الجديدة

(New Year - By: Nabhan Abdullatif)




شهر يناير يعني بداية سنة جديدة. و مع أنها جديدة فلا يعني هذا أنها منفصلة عن السنة التي تسبقها و لا التي تليها. و لكن يحب البعض - أو الكثيرون - أن يعتقدوا أن السنة جديدة هي كيان منفصل يمكن أن يكون مختلفاً تماماً عن الذي سبقه، أو كما يحب أن يسميها البعض (صفحة جديدة) أو (بداية طازجة)!

في نهاية شهر ديسمبر من سنة 2009 و سنة 2010 كتبت موضوعين يمكن أن يتم اعتبراهما (حصاد العام). في نهاية عام 2011 لم أكتب شيئاً مماثلاً. ربما لأن 2011 كانت سنة طويلة مليئة بالأحداث التي لن أتمكن من إعادة المرور عليها.  ربما لأنها - و برغم أنها سنة مختلفة - كانت سنة كأي سنة، تتكون من أيام تمر بنفس الرتابة مهما تغيّر مضمونها. و ربما لأن الحياة لم تعد مثيرة كما كانت من قبل، لم تعد مبهجة، و لم تعد تسترعي الاهتمام!

و في بداية هذا العام الجديد - و الذي هو امتداد للعام الفائت - لم أجد ما هو جديد لأكتب عنه. تبدو كل الأمور متشابهة و معادة و لا تستأهل عناء تحريك الأصابع للكتابة عنها!
أعتذر عن نبرة التشاؤم في حديثي، و أحب أن أوضّح أنها ليست تشاؤماً، و لكن الواقعية إلى حد كبير تبدو متشائمة، لأن الواقع بكل ما يحمله من مظاهر الفرحة و السعادة يشبه كثيراً البيضة الفاسدة، بقشرتها السليمة و محتواها الردئ!

في هذا العام الجديدة سأواصل الحياة كما هو مقدّر لها أن تكون. سأواصل القراءة، و يمكنكم متابعة قراءاتي على موقع جودريدز. سأواصل العمل و الذي لم يعد ممتعاً و لا مجزياً على أي مستوى. سأواصل الكتابة و التي لا أدري لأي شئ ستصِل و توصلني.

في هذا العام الجديدة أود أن أعطي نصيحة، و هي ليست من عندي، و إنما سأمرّرها لكم، و هي من كلام الرسول الكريم (صلى الله عليه و سلم). فعن ابن عباس (رضي الله عنهما) عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "اغتنم خمساً قبلَ خمسٍ. شبابَكَ قبلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وغِنَاكَ قبلَ فقرِكَ، وفراغَكَ قبلَ شغلِكَ، و حياتَكَ قبلَ موتِكَ". أخرجه الحاكم في المستدرك، و صححه الألباني.
..



* موضوع سنة جديدة في نهاية عام 2009.
* موضوع 2010/2011 في نهاية عام 2010.
* لمتابعة قراءاتي على موقع جودريدز.





سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك