07 يناير 2012

عن الطب والدوا



عن الطب والدوا


للبعض يبدأ المشوار منذ اليوم الأول بالعمل كطبيب، وللبعض يبدأ بأول يوم كطالب بإحدى مدارس الطب، وللبعض الآخر يبدأ الأمر قبل ذلك بكثير؛ منذ أول مرة يرى الشخص فيها نفسه مسئولاً عن حيوات الآخرين، عن آلامهم، وعن معاناتهم وفرحتهم. وبغضِّ النظر عن البدايات فإن الدخول من هذا الباب إلى أرض الطب يعني الدخول إلى حياة جديدة تماماً تختلف تمام الاختلاف عن أية حياة أخرى، حياة تختلط فيها بحيوات أخرى منقوعة في العجز والألم، معجونة بالمرض، ومشبّعة بالعناء والضغط والتوتر والحزن وتوليفة كبيرة من الأشياء يصعب حصرها. إنها حياة الطبيب التي لا يعرفها أحد غير الطبيب، ولا يتمكن من الكلام عنها أحد ولا حتى الطبيب نفسه، ولا ينبِّه أحد الطبيب إليها حتى يصبح طبيباً ويكتشف بنفسه!
بعض الأوقات أفكر أنه لو كان أحد أخبرني قبل أن أصبح طبيباً أن الأمور ستكون بهذه الصعوبة وأن الزيَّ بهذا الثمن لربما فكرتُ كثيراً قبل أن أتّخِذ هكذا خطوة، ولربما راجعتُ نفسي وتراجعتُ عن خوض هذه التجربة. لكنهم لا يخبرونكَ بذلك، فقط ترى الزيَّ الأبيض، والدور العظيم الذي يلعبه الطبيب كبطل يومي، والثراء الذي يتمرّغ فيه أصحاب المهنة العظيمة، وكأنك تشاهد عرضاً تليفزيونياً من عالم آخر. لا يخبرك أحد عن الساعات الطويلة التي ستقضيها مستيقظاً لمذاكرة لا تنتهي أبداً، ولا بالساعات الطويلة التي ستقضيها بعمل لا يكتفي منك بجهدك العضلي، وإنما يطلب المزيد؛ جهدك العقلي والنفسي، ويتفشّى في حياتك مطالباً بكل شئ لديك؛ بوقتك، بعلاقاتك، بفكرك، بشعورك، براحتك، بنومك، بأحلامك، بمستقبلك، وبأي شئ كنتَ تعتقد أنه لكَ وحدكَ حقاً خالصاً. لايخبرونكَ أنك ستشهد موكب الموت بشكل شبه يومي، وأنك ستضطر أن تخبر ابناً أن أبيه قد رحل، وتخبر زوجاً أن زوجته قد توفيت، وتخبر  صديقاً أن صديقه لم يتمكن من البقاء على قيد الحياة. لا يخبرونكَ أنك ستُلام على مرض لم تكن المتسبب فيه، وعلى موت لم يكن لك دخل به، وعن مشكلات لم تشهدها ولا علاقة لك بها، فقط لأنه تصادف وجودك في طريق شقَّه الألم في قلوب لم تسلم من زيارات المرض والموت، فقط لأنك هناك في هذا الزمان وهذا المكان، وليس لأنك مسئول عن أيِّ من هذا.
عندما يرونكَ بزيِّكَ المميز سيعتقدون أنكَ تنعم بحياة رغدة مليئة بالنجاح والنشاط والراحة والرضا والاستقرار والهدوء. سيعتقدون أنكَ قد حققتَ كل شئ، وأنكَ وصلتَ إلى النهاية التي يحلم أيُّ شخصٍ بها. سيعتقدون أنكَ بالتأكيد سعيد بما أنتَ فيه و بما وصلتَ إليه. سيعتقدون أنكَ إلـهٌ بمشيئتكَ الحياة والموت، وبطرف إصبعكَ يُقدَّر الفرح والحزن، وملك يمينكَ أن تقول للشئ كن فيكون! ولذلك تُلام على كل مشكلة ومعضلة وكأنكَ تملك كل الحلول، وكأنكَ تمنع عنهم الحلول، وكأنك تقسّم الحلول وفق هواكَ. سيعتقدون الكثير من الأشياء، وكثيرٌ منها خطأ، وكثيرٌ منها مغلوط، وكثيرٌ منها لا يمتُّ للواقع بصِلة.
لماذا يجعلون الأمور أصعب مما هي عليه؟! يعتقدون أنكَ حين تواصل وخذ المريض بإبركَ فأنتَ بذلك تعذّبه، ولا يفكرون أنكَ تنقذ حياته أو تساعده ليبرأ من مرضه. ويعتقدون أنكَ حين تؤخِّر دواءكَ عنه فأنتَ بذلك تقتله، ولا يعرفون أن لكل شئ أصولاً وقواعد، وأنكَ لا تعمل بمفردكَ وفق هواكَ، وأنكَ تعمل في منظومة كبيرة ما أنتَ إلا ترس صغير في ماكينتها العملاقة، وأن الأمور ليست خاضعة لحكم القلب والشعور، وإنما للعقل والعلم. يعتقدون أن المريض إن مات فهذا لتقصير أو إهمال أو حتى عن عمد، ولا يفكرون أن الناس يموتون على كل حال، وأنه تتعدد الأسباب للموت، وأنك لستَ ربَّاً لتُحيي بمشيئتكَ من تريد وتقتل من ترغب، وأنكَ تُبرئ المرضى بإذن الله لا بإذنكَ. وعلى الرغم من التُهم والشكوك والظنون السيئة يطالبونكَ أن تتحلى بالصبر وأن تتفهّم الوضع وأن تُبقي نفسكَ حكيماً يُقدِّر الظروف ويغفر الأخطاء والزلات. فيالها من مهنةٍ قاسية لا تكافئ أصحابها إلا بمزيد من المعاناة!


أحمد فايز




هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

ربنا يعينك و يصبرك ..

WINNER يقول...



آمين.

ربنا يعين الجميع على كل خير.


سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك