18 سبتمبر 2012

العصافير الحرة




العصافير الحرة


كل الحكايات تأتي من الداخل، من قاع البئر العميق. أحكي! عن أي شئ أحكي؟! ولماذا؟! وكلها حكاية واحدة، تطفو على السطح ثم تتبخر، تتكثف في الروح ثم تتجمع، وتظهر من جديد في القاع البعيد. أحكي! لقد حكيت من قبل فما الفرق؟! كل النهايات الحالمة تنتهي حالكة، كل الطرق متهالكة، كلها من هنا لهناك ومن هناك لهنا، إنها دوامة صغيرة في فنجان صغير، نقطة ضائعة في بحر كبير، إن الحكاية هناك، في القاع، تتقدم ببطء، تستعد للطفو ثم التبخر ثم التكثف ثم التجمع من جديد، مكررة نفس السيناريو الممل عديم الطعم والرائحة. أحكي! أول مرة حكي كانت مشوقة، كان الأمر أشبه بنزهة بمدينة الملاهي يرجوها طفل منذ زمن، وجاءت مفاجأة، كل الألوان جديدة متألقة، كل الألعاب مثيرة، وكل الكلمات والأفكار تبدو سهلة، قريبة من هذا الطرف الحاد للقلم العجوز، والقلم العجوز يسعل في فرح، وكما تظهر في الصور تلك العلامات الموسيقية المتلاحقة دلالة على النغم المنساب كان الحكي كذلك منساباً كحقيقة بديهية واضحة، كل الأشياء كانت واضحة، رائقة، طازجة. أحكي! الحكي لعنة من يدمن الحكي، ولقد عاهدت نفسي ألا أكون مدمناً لسرد القصص على الأصدقاء كما لو كنت أعرف كل تلك الأشياء الغامضة، وأملك هذه الكوة المضاءة برفق في ركن غريب متطرف ولكن قريب من عقلي الموهوب العبقري، فلقد نأيت بنفسي عن العبقرية فإنهم هنا يقتلون العباقرة!
لقد ارتحلت، سرت سنوات طوال نحو المدينة التي يقولون عنها أنها تُعلي من شأن ساكنيها من أصحاب الأقلام الغضة الطاهرة، والأقلام المسنونة المسنة الظافرة، وطرقت الأبواب، وطرقت، ثم طرقت، ولم يجب أحد! كلهم نيام! كلهم رحلوا فجأة! كلهم أوغاد يرفضون استضافتي! لابد أنني أخطأت المدينة، فلأواصل السير حتى أصل تلك المدينة التي يقولون عنها أنها تحترم ذوي العقول الجميلة والأيدي الخشنة والجباه العالية، فحتماً هناك مدينة تقدس شيئاً ما غير المال والكراسي الجلدية والمكاتب الضخمة والأحذية الفخمة والسيارات الفارهة، حتماً هناك مؤمنون بالحقيقة والعدالة والمحبة والأمل، وحتماً هناك مدينة يمكنني فيها الحكي وإرسال الكلمات كعصافير حرة دون أن يتصيدها القراصنة، ودون أن تختنق بالدخان والكذب والأصوات المنكرة. أحكي! وما الفائدة؟!

أحمد فايز






هناك تعليقان (2):

;كارولين فاروق يقول...

لا راحه في الدنيا
والمدينه مش موجوده
ويبقي الأمل في وجود السعاده
في الجنه
جميييييييييله كتاباتك

WINNER يقول...


كارولين فاروق:
أشكرك. شرفتينا بزيارتك للمدونة وبتعليقك. وأرجو تكرار الزيارة.
:)



سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك